الحلبي
34
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
هجرة الصحابة وبين هجرته صلى اللّه عليه وسلم شهرين ونصف شهر على التحرير ، واللّه أعلم . « فلما رأت قريش أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صار له شيعة » أي أنصار وأصحاب من غيرهم « ورأوا خروج أصحابه إليهم ، وأنهم أصابوا منعة لأن الأنصار قوم أهل حلقة » أي سلاح وبأس « حذروا : أي خافوا أن يخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يجمع على حربهم ، فاجتمعوا في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت محل مشورتهم لا يقطعون أمرا إلا فيها » أي وهي أول دار بنيت بمكة ، كانت منزل قصيّ بن كلاب كما تقدم ، ثم صارت لولده عبد الدار ، ثم ابتاعها معاوية لما حج وهو خليفة من أولاد عبد الدار . وتقدم أن معاوية إنما اشتراها من حكيم بن حزام ، ويدل لذلك ما جاء عن مصعب بن عبد اللّه قال : جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام ، فباعها لمعاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم ، فقال له عبد اللّه بن الزبير : بعت مكرمة قريش ، فقال له حكيم : ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي إلى آخر ما تقدم ، وكانت دار الندوة جهة الحجر عند المقام الحنفي الآن ، وكان لها باب للمسجد ، وكان لا يدخلها عند المشورة من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة . وفي كلام بعضهم : ساد أبو جهل وما طرّ شاربه ، ودخل دار الندوة وما استدارت لحيته ، وقد أدخلت في المسجد . قيل لها دار الندوة لاجتماع الندي وهو الجماعة فيها ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة ، لأنه اجتمع فيه أشراف بني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد الدار وبني أسد وبني مخزوم وبني سهم وبني جمح ، وغيرهم مما لا يعدّ من قريش ، ولم يتخلف من أهل الرأي والحجا أحد . ثم إن إبليس جاء إليهم في صورة شيخ نجدي عليه طيلسان من خز وقيل من صوف : أي وإنما فعل ذلك ليقبل منه ما يشير به ، لأن أهل الطيالسة في العادة من أهل الوقار والمعرفة ؛ ووقف ذلك الشيخ على الباب ، فقالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد ، سمع بالذي اجتمعتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا ، قالوا أجل : أي نعم ، فادخل فدخل معهم ، أي وإنما قال لهم من أهل نجد ، لأن قريشا قالوا : لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم كان مع محمد صلى اللّه عليه وسلم . قيل لما سمعهم يقولون : لا يدخل معكم اليوم إلا من هو معكم ، قال لهم لما سألوه وقالوا له من أنت ؟ قال شيخ من نجد ، وأنا ابن أختكم ؛ فقالوا : ابن أخت القوم منهم . وقيل إن إبليس لما دخل عليهم أنكروه وقالوا له من أنت وما أدخلك علينا في خلوتنا هذه بغير إذننا ؟ فقال : إني رجل من أهل نجد ، رأيتكم حسنة وجوهكم طيبة